ابن رشد

318

تهافت التهافت

والسبب في هذا أن كل كون فهو تابع لاستحالة فلو حلت صورة في جسم بغير استحالة لأمكن أن توجد صورة جسمانية لا يتأثر عنها المحل عند حصولها . دليل ثامن قال أبو حامد : قالوا : أجزاء البدن كلها تضعف قواها بعد منتهى النشوء بالوقوف عند الأربعين سنة فما بعدها . فيضعف البصر والسمع وسائر القوى والقوة العقلية في أكثر الأمر إنما تقوى بعد ذلك . ولا يلزم على هذا تعذر النظر في المعقولات عند حلول المرض في البدن وعند الخرف بسبب الشيخوخة فإنه مهما بان أنه يتقوى مع ضعف البدن في بعض الأحوال فقد بان قوامه بنفسه فتعطله عند تعطل البدن لا يوجب كونه قائما بالبدن فإن استثناء عين التالي لا ينتج فإنا نقول : إن كانت القوة العقلية قائمة بالبدن فيضعفها ضعف البدن بكل حال والتالي محال فالمقدم محال وإذا قلنا : التالي موجود في بعض الأحوال فلا يلزم أن يكون المقدم موجودا . ثم السبب فيه أن النفس لها فعل بذاتها إذا لم يعق عائق ولم يشغلها شاغل فإن للنفس فعلين فعل بالقياس إلى البدن وهو السياسة له وتدبيره وفعل بالقياس إلى مبادئه وإلى ذاته وهو إدراك المعقولات وهما متمانعان متعاندان فمهما اشتغل بأحد هما انصرف عن الآخر ، وتعذر عليه الجمع بين الأمرين . وشواغله من جهة البدن الإحساس والتخيل والشهوات والغضب والخوف والغم والوجع فإذا أخذت تفكر في معقول تعطل عليك كل هذه الأشياء الأخر . بل مجرد الحس قد يمنع من إدراك العقل ونظره من غير أن يصيب آلة العقل شيء أو يصيب ذاتها آفة . والسبب في ذلك اشتغال النفس بفعل عن فعل ولذلك يتعطل نظر العقل عند الوجع والمرض والخوف فإنه أيضا مرض في الدماغ . وكيف يستبعد التمانع في اختلاف جهتي فعل النفس وتعدد الجهة الواحدة قد يوجب التمانع ، فإن الفرق يذهل عن الوجع والشهوة عن الغضب والنظر في معقول عن معقول آخر . وآية أن المرض الحال في البدن ليس يتعرض لمحل العلوم أنه إذا عاد صحيحا لم يفتقر إلى تعلم العلوم من رأس بل تعود عيشة نفسه كما كانت وتعود تلك العلوم بعينها من غير استئناف تعلم . الاعتراض : أنا نقول : نقصان القوى وزيادتها لها أسباب كثيرة لا تنحصر فقد يقوى بعض القوى في ابتداء العمر وبعضها في الوسط وبعضها في الآخر ، وأمر العقل أيضا كذلك فلا يبقى إلا أن يدعى الغالب . ولا بعد في أن يختلف الشم والبصر في أن الشم يقوى بعد الأربعين والبصر يضعف وإن تساويا في كونهما حالين في الجسم كما تتفاوت هذه القوى في الحيوانات فيقوى الشم من بعضها والبصر من بعضها لاختلاف في أمزجتها لا يمكن الوقوف على ضبطه ، فلا يبعد أن يكون مزاج الآلات أيضا يختلف في حق الأشخاص وفي حق الأحوال . ويكون أحد الأسباب في سبق الضعف إلى البصر دون العقل أن البصر أقدم فإنه مبصر في أول فطرته ولا يتم عقله إلا بعد خمسة عشر سنة أو زيادة على ما شاهدنا اختلاف الناس فيه حتى قيل أن الشيب إلى شعر الرأس أسبق منه إلى شعر اللحية لأن شعر الرأس